2022-10-06

وقل رب زدني علمـاً
2007-08-31

الحمد لله ، له أسلمت ، وبه آمنت ، وعليه توكلت …. وبعد :

يعود أبناؤنا وفلذات أكبادنا من الطلاب والطالبات إلى مقاعد الدراسة في هذه الأيام،  بعد إنتهاء الإجازة الصيفية ، ونحن نبارك لأبنائنا عودتهم ، ونتوجه إلى الله بالدعاء أن يوفقهم لما فيه الخير ، وأن يأخذ بأيديهم لما يحبه ويرضاه ، فكما قال الشاعر :

أولادنـــــــــا أكبــــــــــادنــــــا                   تمشــــــــي علـــــــــى الأرض

  لو هبت الريح على أحدهم                لامتنعت عيناي عن الغمض

 

وديننا الإسلامي الحنيف الذي أكرم الله البشرية به ، دين يدعو إلى العلم فأول خمس آيات نزلت من كتاب رب العالمين في بدء الوحي على سيدنا محمد  – صلى الله عليه وسلم – لتؤكد على أهمية العلم وفضله ووجوب تحصيله وطلبه.

قال تعالى :   {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *   خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *   الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*  عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(1) .

   يقول الإمام ابن كثير : ( فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات ، وهن  أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقه ، وأن من كرمه تعالى أنه علم الإنسان ما لم يعلم فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة  ( 2).

وعند دراستنا للقرآن الكريم فإننا نجد أنه قد رفع من شأن العلم والعلماء في عشرات الآيات قال تعالى :  {  قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  } (3) ، وقال تعالى : {  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ  } (4)  ، وقال تعالى : {  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء  } (5)  .

أما الأحاديث التي تتحدث عن فضل العلم والعلماء  فكثيرة منها قوله صلى الله عليه
وسلم : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين   )  ( 6) ، وقال أيضاً : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه  الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ، ويعلمها ) ( 7).

كما وورد عنه  –صلى الله عليه وسلم – أنه قال  : ( إن العلماء ورثة الأنبياء  - أي : في تبليغ شريعة الله للناس – وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر  ) ( 8 ) .

ولقد بين الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – منزلة العلم والعلماء في كثير من أقوالهم ووصاياهم فمن ذلك ما أثر عن الإمام علي – رضي الله عنه وكرم الله وجهه – قوله : (  العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ،   والعلم حاكم ،  والمال محكوم عليه ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزيد بالإنفاق ).

كما و حث الإسلام أبناءه على الاجتهاد في تحصيل العلم فقال – عليه الصلاة والسلام - : ( من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ) (9) ، وقال أيضاَ : ( من خرج في طلب العلم ، فهو في سبيل الله حتى يرجع ) (10).

وعلى المسلمين اليوم المسارعة في تحصيل العلم والمعارف ،حتى يخرجوا من حالة الضعف التي نخرت عظامهم ، والوهن الذي أضاع مجدهم ، كما قال الشاعر :

لقد كنا وكان الناس في الزمن الخوالـــــــي

طلاب علم عندنا إن في الجنوب أو الشمال

يتتلمذون على حضارتنا كتلمذة العيــــــــال

علينا نحن المسلمين الأخذ بزمام العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، والبحث عنه جهاد حتى نستعيد مجد أسلافنا الأوائل .

وقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – طلب هذا العلم النافع فريضة على كل مسلم ، ذكراً كان أم أنثى ،  حيث يقول عليه الصلاة والسلام : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )  ، ولو أن منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية .

وانظر إلى قوله – صلوات الله وسلامه عليه – "طلب العلم " لتعرف لماذا أجهد المسلمون أنفسهم في طلبه ، ولماذا بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوا حرجاً في أخذه من أي وعاء خرج ، ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين ، الذي فتح على الإسلام قلوب الناس ، تنفتح على العالم من حولها تتلمس كل علم ينفع الناس  حتى رأينا العلماء المسلمين في شتى المجالات كالفارابي ، والكندي ، وابن الهيثم ، وابن سينا ، وابن النفيس ، وابن خلدون وغيرهم ممن ملأوا طباق الأرض علماً .

ونحن إذ نحيي طلبتنا ونشد على أيديهم ، وندعو الله لهم بالتوفيق والسداد ، ونتمنى أن يحققوا ما يصبون إليه من تقدم ونجاح وتفوق ،  فهم أملنا الكبير ، وعليهم يعتمد مستقبل هذا البلد ، ومن خلالهم ينطلق البناء الصحيح للمجتمع ، فبالعلم ترتقي الأمم ، وبالعلم يحيا الإنسان ، وبالعلم تتطور الشعوب ، وبالعلم ينتصر الحق على الباطل ، وبالعلم ينتصر المظلوم على الظالم ، لأن العلم نور ، والله نور السموات والأرض .

 

 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

 

 

الهوامش :

1- سورة العلق الآيات 1-5 

2- مختصر تفسير ابن كثير 3/656 

 3- سورة الزمر الآية 9     

4- سورة المجادلة الآية 11

 5- سورة فاطر الآية 28   

 6- أخرجه الشيخان         

7-  أخرجه الشيخان  

  8- أخرجه أبو داود والترمذي 

 9- أخرجه أبو داود والترمذي

10- أخرجه الترمذي